الشريف المرتضى

449

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ « 1 » ، يعنى حكم داود وسليمان عليهما السّلام . ويكون قوله على هذا التأويل : وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ راجعا إلى هاروت وماروت اللذين هما من الشياطين ، أو من الإنس المتعلّمين للسحر من الشياطين والعاملين به . ومعنى قولهم : نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ يكون على طريق الاستهزاء والتماجن والتخالع ، كما يقول الماجن من الناس إذا فعل قبيحا أو قال باطلا : هذا فعل من لا يفلح ، وقول من لا ينجب ، واللّه ما حصلت إلّا على الخسران ؛ وليس ذلك منه على سبيل النّصح للناس وتحذيرهم من مثل فعله ، بل على وجه المجون والتهالك . ويجوز أيضا على هذا التأويل الذي يتضمّن النفي والجحد أن يكون هاروت وماروت اسمين لملكين ، ونفى عنهما إنزال السحر بقوله : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ ويكون قوله : وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ يرجع إلى قبيلتين من الجنّ أو إلى شياطين الجنّ والإنس ، فتحسن التثنية لهذا . وقد روى هذا التأويل الأخير في حمل « وما » على النفي عن ابن عباس وغيره من المفسّرين . وروي عنه أيضا أنّه كان يقرأ : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بكسر اللام ، ويقول : متى كان العلجان ملكين ! بل كانا ملكين ؛ [ وعلى هذه القراءة لا ينكر أن يرجع قوله : وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ إليهما ] . ويمكن على هذه القراءة في الآية وجه آخر وإن لم يحمل قوله : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ على الجحد والنفي : وهو أن يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتّبعوا ما تتلوا الشياطين وتدّعيه على ملك سليمان ، واتّبعوا ما أنزل على هذين الملكين من السحر ، ولا يكون الإنزال مضافا إلى اللّه تعالى ، وإن أطلق ؛ لأنّه جلّ وعز لا ينزل السحر ؛ بل يكون منزله إليهما بعض الضّلال العصاة ، ويكون معنى « أنزل » - وإن كان من الأرض - حمل إليهما لا من السماء أنّه أتي به من نجود

--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية : 78 .